آخر الأخبار تقارير وتحليلات كورة مصرية

حكاية اليوم المشؤوم.. لم تسقط وحدك يا صديقي

الأول من فبراير من كل عام تحل الذكرى الأسوأ في تاريخ كرة القدم الحديث، ذكرى مذبحة بورسعيد والتي راح ضحيتها 72 مشجع ينتمى إلى النادي الأهلي، يوم جاء من العام 2012 وأبى إلا أن يؤكد مقولة فبراير “الأسود” ويصبح افتتاحه دائما ما يحمل ذكرى أليمة على الجميع.

إعلان

حكاية اليوم المشؤوم

مذبحة بورسعيد

مجموعة مشجعي المارد الأحمر “أولتراس أهلاوي” تعلن حضورها مباراة النادي المصري في بورسعيد كما هو معتاد محددة وقت التجمع للتحرك أمام بوابة النادي الأهلي، وجماهير القلعة الحمراء لا تتوانى عن تلبية نداء ناديها الحبيب.

“أبي، سأذهب غدا إلى بورسعيد لأساند الأهلي في مباراته الهامة” يلقيها المشجع الأهلاوي على والده من أجل أخذ الإذن للذهاب خلف الأهلي، الأب يخشى على ولده من تكرار سيناريو مباراة غزل المحلة في الأسابيع السابقة، ولكن مع إصرار الولد، يوافق الأب مرددا: “أهم شئ أن تأخذ حذرك لتعود سالما”.

حل صباح اليوم المشؤوم، صباح كانت شمسه باهتة، ورائحة الهواء كئيبة تُخيف من لا يؤمن بالتشاؤم والتفاؤل ذاته، واجتمع المئات من الجماهير الحمراء أمام بوابة النادي الأهلي باكرا للتحرك نحو بورسعيد.

إعلان

الحافلات المنتظرة لتنقل الجماهير لدعم الفريق لن تأتي، إذن ما العمل، لا مشكلة لن يمنعنا ذلك من مساندة المارد الأحمر، لنذهب إلى محطة القطار ونستقل القطار المتجه صوب المدينة الساحلية، موعده سيكون الساعة الحادية عشر ونصف.

الشوارع المؤدية من بوابة القلعة الحمراء إلى محطة القطار أصبحت تتلون بالأحمر، أهازيج الجماهير الحمراء تهز الشوارع وصيحاتهم تتعالى مشجعة للنادي الذي طالما عشقوه وسافروا وراءه أميال وأميال.

إعلان

 

“قطار رقم 951 المتجه إلى بورسعيد سيصل الآن إلى رصيف رقم 4” هكذا تم الإعلان داخل محطة مصر، لكن صوت القطار لم يكن كما المعتاد، صافرات القطار كانت أشبه بنعيق الغراب الأسود تخفق القلوب عند سماعها ويصيبك بالعبوس عند سماعه.

قبل الوصول إلى الجهة المنتظرة، توقف القطار في محطة تدعى “الكاب” لينزل الجماهير هناك حتى يتم تأمينهم بالصورة المطلوبة حتى دخول استاد بورسعيد، لا مشكلة في ذلك أيضا واجهنا صعوبات أكثر من ذلك مرارا وتكرارا لنتحرك صوب الهدف المنشود في أسرع وقت حتى نتمكن من اللحاق بالمباراة قبل بدايتها.

اللاعبون نزلوا إلى أرضية الملعب من أجل إجراء عمليات التسخين، تم الاعتداء عليهم بالألعاب النارية، ثورة من جماهير الأهلي في الحافلات نريد أن نسرع حتى نقوم بمؤازرة اللاعبين ودعمهم في هذه الأجواء الصعبة.

وصلت بالفعل الحافلات إلى محيط استاد “الموت” لنتفاجئ بوابل من الحجارة والمهاجمة من جماهير الفريق الضيف، أحداث طالما تعودنا عليها في رحلاتنا إلى المدينة الساحلية بسبب الصراع القديم والدائم مع الأهلي وجماهيره.

“يوم ما أبطل أشجع هكون ميت أكيد” جزء من أهزوجة طالما قمنا بترديدها أثناء تشجيع الفريق، ولكن هذه المرة شعرت وكأن كلماتها تخرج من القلب، أحسست كأنني لأول مرة أسمع هذه الكلمات وأقوم بترديدها.

انتهى الشوط الأول، وبدأت جماهير المصري في اقتحام ملعب المباراة تجاه المدرج الأحمر، إشارات بالذبح وهرج ومرج، شعرت حينها بالخوف الذي لم يلمس قلبي أبدا خلف الأهلي، لكن نظرت حولي سريعا لأجد أصدقائي من حولي لأشعر بالارتياح قليلا، سنعود سالمين في النهاية طالما كنا سويا.

الأحداث تتصاعد في الشوط الثاني، المباراة أخذت طابع الحرب، سجل المصري هدف ثم الثاني ثم الثالث، انتصر المصري وأشعر بحزن كبير، لكنه سريعا ما ذهب وتحول إلى ذعر.

الجماهير المضيفة تقتحم الملعب بكامل عددها، لاعبو الأهلي يهرولون إلى خارج الملعب، كل ما كان يشغل بالي وقتها هو حماية اللاعبين، “بيضربوا اللعيبة، الحقوا اللعيبة يا عم” كلمات ترددت من جميع من كان في المدرج الشمالي والهم الأكبر هو حماية من يمثلوا النادي الذي ننتمي له.

الجماهير بدأت في اقتحام مدرجات الأهلي، الأنوار بدأت في الانطفاء واحدة تلو الأخرى، حاولنا الخروج هاربين من المدرج ولكن هنا جاءت المفاجأة، بوابات المدرج الشمالي مغلقة ولا يمكن الخروج.

بدأ الصراخ يملئ الأرجاء، والذعر يتمكن من القلوب التي قلما عرفت الخوف، وتحول الأمر برمته إلى كابوس لا نستطيع الهروب منه ومصير مجهول يحاوط الجميع.

سقط أرضا ومعي العشرات من الأصدقاء، أشعر بكل ما يحدث حولي لكن لا استطيع الكلام أو التحرك، ما الذي حدث، لماذا تبكي يا صديقي أنا هنا معاك، لماذا لا استطيع أن احتضنك وانت تضمني بين ذراعيك، لماذا يبكي أبو تريكة وبركات وما الذي أتى بي إلى هنا معهم في غرف خلع الملابس؟

“ألم تعدني أن تأخذ حذرك يا بني” رددها الأب بنحيب ودموع لا تتوقف، أنا هنا يا أبي لماذا تقول هذا، أنا هنا بين يديك لكن لا أعلم لماذا لا استطيع الحديث معك، سامحني يا أبي لم يكن الأمر بيدي.

حلم مؤازرة الأهلي تحول إلى كابوس، والمدرج الذي طالما كان مكاني المفضل امتلئ بالدماء، والرحلة التي حاربت من أجل الذهاب لها عدت منها محمولا على الأعناق لا استطيع التحرك أو الكلام، كل من أحبهم ويحبونني من حولي يبكون، هل بالفعل ما خطر ببالي صحيح؟ نعم يا صديقي لقد انتهت الحكاية، زُفت روحك إلى لسماء وعدت دونك لأكمل الحياة بألم مشاهدتك وأنت تسقط وأنا غير قادر على مساعدتك كما نفعل دائما.

القطار الذي امتلئ بالأغاني وملئته الضحكات صباحا، عاد إلى القاهرة مساءا ولكن مكتسيا بالحزن ورائحة الدم تفوح منه، من كانوا يجولون عرباته ذهابا وإيابا صباحا، عادوا ولكن غير قادرين على الوقوف من الأساس، عادوا محمولين بلا روح أو حركة.

لم تسقط وحدك يا صديقي

الأهلي

“لما عرفت إن الأهلي خسر زعلت عشان أخويا هيرجع زعلان، بس هو مرجعش” كلمات ردتها الأخت الأصغر لأحد الضحايا، وآخر يتهم نفسه بالتسبب في قتل فلذة كبده: “أن اللي موته، انا اللي كنت بشيله على كتفي وأقوله الأهلي حديد الأهلي حديد”.

الموت هو الحقيقة الأصعب في هذه الحياة، فاجعة لا مفر منها ولكنها دائما ما تكون ثقيلة وصعبة على من يستمرون في الحياة والذكرى تحاوط كل ركن في حياتهم.

البعض يتخيل أن هناك 72 شاب قد سقط هناك في بورسعيد غدرا، لكن الحقيقة أن هناك الآلاف بل الملايين سقطوا معهم وفقدوا جزءا من أرواحهم مع الذين رحلوا عن عالمنا، ويعيشون بألم الفارق الذي لا يضاهيه ألم.

كم مرة سمعنا عن أحد أهالي هؤلاء الشباب قد رحل عن عالمنا رافضا الحياة بدون جزء من روحه، متأثرا بصدمته في ولده أو أخيه، وكم شاهدنا أصدقاء فقدوا شغفهم في الحياة وسيطرت رائحة الموت على المكان المفضل لهم، وارتبطت رؤيتهم له بذكريات لا تمحى.

مدرجات الملاعب أصبحت مهجورة، ورؤيتها خاوية هو المعتاد منذ 8 سنوات وكأنها أعلنت الحداد على أحبابها الذين فارقوا الحياة بين أحضانها في يوم مشؤوم.

حتى في المباريات النادرة التي نشاهد بها الجماهير، تشعر وكأن هناك شئ مفقود، الشغف قُتل والحياة لم تعد كما كانت في المدرجات، والوجوه أصبحت ممتلئة بالهموم، لم تعد الأمور أبدا كما كانت.

كرة القدم في مصر تموت بالبطئ يوما بعد يوم، مستوى الدوري المحلي الذي كان ضمن الأقوى إفريقيا أصبح يندى له الجبين، صراخ اللاعبين داخل الملعب أصبح هو الصوت المسموع بدلا من صيحات الجماهير، عمليات إنعاش تمت مرارا وتكرارا من أجل إعادتها إلى الحياة لكن لا فائدة، كأن روحها قد سُلبت منها.

وفي ظل المحاولات المتكررة لعودة الحياة إلى ملاعب كرة القدم كما كانت، أبت الملاعب إلا أن تردع جماهيرها بالطريقة ذاتها من جديد لتضع المسمار الأخير في نعش كرة القدم، ويخيم اللون الأسود من جديد على كرة القدم وفي نفس الشهر المشؤوم بعد سنوات عديدة، بفقدان 20 مشجع جديد منتمي إلى المعسكر المنافس، الزمالك.

سقطت في بورسعيد يا صديقي وأسقطت معك أحبابك، ولعبتك المحببة، ومكانك المفضل الذي طالما عشت به أجمل اللحظات، الحياة تأبى أن تعود كما كانت بدونك، ولا نجد ما نصبر به أنفسنا إلا لوجودك في مكان أفضل.

افتقدك يا صديقي واتفقد مشاكساتك وضحكاتك وسخريتك الدائمة من طباعي المثيرة، افتقد القفز معاك داخل المدرج الشمالي وهتافنا باسم الأهلي، افتقد عناقك بعد كل هدف ومواساتك بعد كل هزيمة.

اقسم لك يا صديقي أنني لم أنسى ملامحك ولن أنساها مهما مرت السنوات، وأنني سأظل أسرد قصتك طوال حياتي وسأخبر ولدي عن أخ لم تلده أمي كان لي الدنيا وما فيها.

سامحني يا صديقي لأنني لم استطع حمايتك، ذهبت وذهبت روحي معاك، ومهما أتت الأحداث المبهجة لا تكون سعادتها كاملة دون وجودك بجانبي، سلامٌ على روحك الطاهرة.