آخر الأخبار على رواقة لايت

حوار مع صديق صلاح.. “الآن أمتلك حارس شخصي”!

حوار مع صديق صلاح.. "الآن أمتلك حارس شخصي"!

والآن انا امتلك حارس شخصي.. لم نكن نمتلك نظام تدفئة في منزلنا، كان قديم جدًا حقًا، مجرد مزرعة قديمة في بازل.

إعلان

لم أفكّر كثيرًا بذلك، فقد كنت أحافظ على نفسي دافئًا عبر التجوّل والركض كالمجانين، أخي الأكبر هو من كان يشتكي دومًا من البرد لأنّ غرفته في الطابق العلوي، في الشتاء كان ينام بخمسة بطانيات!

عائلتي غادرت كوسوفو قبل إندلاع الحرب، كان عمري وقتها 4 سنوات، أمي وأبي حاولا أن يبنيا حياة جديدة لنا في سويسرا، معي أنا وإخوتي الإثنين.

لكن ذلك لم يكن سهلًا على الإطلاق، والدي لا يتحدّث السويسرية – الألمانية، بدأ بالعمل في غسل الأطباق بأحد المطاعم، والدتي كانت تعمل كمنظّفة في المباني الحكوميّة، أنا كنت مساعدها في وقت فراغي وشقيقي الأكبر كان ينظّف النوافذ.

سويسرا بلد غالية جدًا من ناحية المعيشة على أي شخص، لكن الأمور كانت صعبة بشكل مضاعف علينا لأنّ والدي كان يتعيّن عليه إرسال الأموال بشكل مستمر لبقية أفراد العائلة الذين بقوا في ديارنا، في كوسوفو.

إعلان

في البداية، كنّا نزورهم كل عام، والدتي كانت دومًا تخبرني كم كنت مشاغب في الطائرة، أقفز على الكراسي وألمس رؤوس من هم أمامي، لم أكن هادئ قط.

لكن بعد انطلاق الحرب كان يستحيل علينا العودة، عائلتي هناك كانت تعاني كثيرًا، منزل عمّي حُرِقَ بالكامل، والدي كان يرسل المال بقدر ما يستطيع، لدرجة أنّنا كنّا نحرم أنفسنا من الكثير من الأغراض لأجل ذلك.

سأخبركم بقصة طريفة.. رونالدو كان معشوقي، رونالدو الأصلي، “الظاهرة”؛ لقد كان ساحرًا ، أحببت طريقة لعبه، عندما تعرّض للإصابة في مونديال 98 بكيت كثيرًا، كنت حزينًا جدًا لأجله.

عيد ميلادي كان بعد المونديال بثلاثة أشهر، كنت كل يوم أطلب من أمي نفس الطلب “لا أريد شيء في عيد ميلادي، فقط قميص البرازيل الأصفر بإسم رونالدو، أرجوكِ، فقط قميصه”.

إعلان

أتى عيد ميلادي ووالداي اشتروا لي قميص رونالدو، كان قميص مزيّف، لم يكن لديهم المال الكافي لشراء قميص أصلي، لكني لم أهتم بذلك، ارتديت القميص لمدة تقارب العشر أيام ولم أبدّله قط!

كنت اللاجئ الوحيد في مدرستي، البقية سويسريين أصليين، كنت مجنونًا بكرة القدم عكس بقية الأطفال في المدرسة، في سويسرا كرة القدم مجرّد رياضة، في بعض الأماكن والبلدان هي حياة أو موت.

بعد مونديال 2002 ذهبت للكوافير وطلبت منه أن يقص شعري كما فعل رونالدو، تلك القصة الشهيرة، عندما عدت للمدرسة بتلك القصة العجيبة، الأطفال كانوا مندهشين “ما الذي حدث مع هذا الولد؟ ماذا فعل بنفسه؟”

منزلي كان يبعُد 5 دقائق فقط عن الجزء السيّء في المدينة، حيث الأتراك والصرب والألمان والأفارقة وكل الجنسيات، هناك يلعبون كرة القدم ويمارسون كل النشاطات، والدتي كانت تتوسّل إليّ كي لا أذهب، لكنّي كنت أتواجد هناك دومًا، أعذريني يا أمّي…

كرة القدم هناك كانت كالمصارعة، لكمات وضرب طوال الوقت، لم أكن أشتكي، إن إشتكيت سأُضرب بشكل مضاعف!

عندما كان عمري 14 عام، كنت ألعب مع شباب بازل، كانت لدينا فرصة للّعب في بطولة “نايك” في براغ.

المشكلة كانت أنه سيتعيّن عليّ الغياب عن المدرسة لبضعة أيّام، المدرّس رفض ذلك، في سويسرا، المعلّم جدّي للغاية فيما يخص المدرسة.

اصطنعت المرض كي أذهب، أمي كتبت ملاحظة للمدرسة بأنّي مريض بالأنفلونزا وسأتغيّب لبضعة أيام، ذهبت لبراغ ولعبت بشكل راااااائع!! لأول مرة أسمع بقية الأولاد يقولون “يا إلهي، ذلك الفتى من بازل، كم هو مدهش” شعوري كان لا يوصف بسماع تلك الكلمات.

 

 

حوار مع صديق صلاح.. "الآن أمتلك حارس شخصي"!

 

عندما عدت للمدرسة، مثّلت بأني لا زلت مريض، المدرّس دعاني لمكتبه وقال لي “شيردان، تعال، تعال هنا”

أخرج إحدى الصحف من درج مكتبه وأشار علي، لقد كانت صورتي في الصحيفة مع جائزة أفضل لاعب في البطولة، ثم قال “كنت مريض، ها؟.”

لم أعرف ما عليّ قوله، كنت مصدوم، لكن الحادثة مرّت

بدأت ألفت الإنتباه بعد تلك البطولة، لكن مشكلة المال لا تزال عائق رئيسي، لأن أشقائي الإثنين يلعبون معي في أكاديمية بازل أيضًا، عندما كان علينا الذهاب لبطولة أو ما شابه، والداي سيدفعان عن ثلاثة، ليس واحد.

عندما كان عمري 16، الفريق كان سيذهب لمعسكر في إسبانيا، أبي أتى إلينا ذات ليلة وقال “إسمعوا، الأمر مستحيل، ليس بمقدورنا الدفع عن الثلاثة”

لذا، أنا وأشقائي كان علينا إيجاد عمل كي ندفع ثمن الذهاب للمعسكر، أنا عملت في قص العشب لثلاث أسابيع، أحد أشقائي عمل في مصنع

على أيّة حال، تمكّنا من جمع المبلغ المطلوب في آخر لحظة، وذهبنا لإسبانيا

أكثر شيء كنت أخشاه هو ليس عدم القدرة على الذهاب، بل أن يعرف بقية الأولاد بالسبب الحقيقي وراء عدم ذهابنا، وهو أنّنا لا نملك المال الكافي لتحمّل تكاليف ذلك.

أنت تعرف عزيزي طباع الأولاد، خصوصًا في سن 16 أو 17، بعد التمرين، جميعهم يذهبون لتناول الوجبات والأطعمة، أنا وأخوتي لم نكن قادرين قط على الذهاب معهم لأننا لا نملك المال، وفي كل مرة نخرج عليهم بعذر أو حجّة جديدة.

لكن ذلك الجوع خارج الملعب، جعلني جائع داخله، للنجاح، لألعب أمام الأفضل.

بعد ذلك بعام، عندما كان عمري 17 عام تقريبًا، تم استدعائي لتمثيل الفريق الأول لبازل، دخلت آخر 20 دقيقة وظننت أني أبليت بشكل جيد.

في اليوم التالي قبل بدء التمرين، مدرب الشباب قال لي “ما ذلك الذي فعلته أمس؟ بماذا كنت تفكر؟”

قلت له “عن ماذا تتحدّث؟”

ردّ بالقول “للتو تحدثت مع المدرب، أخبرني أنك لا تفعل شيء عدا المراوغات، ستعود للفريق الرديف، انتهى الأمر.”

صُدِمت، ظننت أن وقتي في بازل انتهى

لكن بعد ذلك باسبوعين، المدرب أُقيل من منصبه، المدرب الجديد استدعاني للفريق الأول، الأمر كان مضحك لأنه كان يشركني كظهير أيسر، بينما أنا أحب الهجوم، المدافعين كانوا دومًا يصرخون علي “عليك أن تعود! عُد لمساندتنا!.”

تم استدعائي لمونديال 2010، كنت مصدوم، عندما أعلن المدرب قائمته، عدت للمنزل فورًا لأخبر أمي وأبي، كانا في غاية السعادة!

كل شيء حدث بسرعة، في سن 16 كنت أعمل في قص العشب كي أذهب مع الفريق الرديف، في سن 18 أنا ذاهب لكأس العالم!

 

حوار مع صديق صلاح.. "الآن أمتلك حارس شخصي"!

سأبقى أتذكر دومًا لحظة وصولنا لجنوب أفريقيا، في الفندق، كل لاعب كان يمتلك حارس شخصي أمام غرفته، لقد كان أجمل شعور في العالم، أعني، قبل فترة قصيرة كنت ألعب في الحديقة مع أناس يفوقوني عمرًا من مختلف الجنسيات، والآن أمتلك حارس شخصي؟

أتذكّر عندما واجهنا إسبانيا في المونديال، شاهدت إنيستا أمامي وبدأت أفكّر “واو، الشاب الذي أشاهده عبر التلفاز يقف الآن أمامي”

بالنسبة لوالداي، لقد كانت لحظات فخر لا توصف عندما شاهدوني في كأس العالم، هم أتوا لسويسرا لا يملكون شيئًا .كي يصنعوا حياة أفضل لأطفالهم، لقد عملا بجد وشقاء

الصحف أحيانا تُسيء فهمي، أشعر أني أمتلك وطنين، سويسرا منحت عائلتي كل شيء، وانا أحاول ردّ ذلك في كل مرة أرتدي فيها قميص المنتخب.

لكن كلّما ذهبت لكوسوفو، أشعر كذلك أني في منزلي، في وطني، إنه شعور باطني.

سويسرا فيها البُحيرات والجبال الشاهقة وكل تلك الأشياء الجميلة، لكن في سويسرا أيضًا تجد تلك الحديقة السيئة المليئة بالأتراك والأفارقة والصرب، حيث أتيت أنا، سويسرا بلد لكل الطبقات، بلد للجميع.

  شيردان شاكيري، بطل أوروبا، وزميل نجمنا المصري محمد صلاح في ليفربول، وأحد أفضل لاعبي المنتخب السويسري عبر التاريخ.